العقلاني و الثوراني

Views: 1613

العقلاني و الثوراني

فيصل خالد الغريب 

المستشار وخبير الإتصال البشري

@dr_faisalkhaled 

drfaisalkhaled@gmail.com 

الاستكثار من الخلافات على أتفه الأسباب ، قادح من القوادح العقلية و الإيمانية و العلمية ، لا يستكثر العقلاء من العداوات، فالعداوات عادة تأتي من هنا وهناك دون طلب ، إنها تتدحرج عليك من كل جانب بشكل تلقائي ، و إن كنت تعامل الجميع بقبضة يدك ، و تشهر سلاحك الدفاعي في وجه كل عابر التفت إليك ، لتطلب منه أن يقدم مبرراً لالتفاته و أن يفسر لك قصده و نيته ، و أن يقدم الاعتذار مع كل ذلك ، عن نظره إليك ، و إلا سترديه قتيلاً برصاصة في جبينه على الفور ، فإن هذا منطق الثور .

تعتمد الحيوانات على غرائزها دون منطق عقلي ، ولذلك فهي قد تنقض على مربيها وتلتهمه لأسباب غريزية كما فعل أسد السيرك بمربيه ، حيث نهشه و انتزع يده و تركه ينزف حتى الموت ، فالحيوانات دون عقل قد تلدغ أو تخنق أو تنهش ، كرد فعل تلقائي غريزي ، وهذا ما يفعله الثور عندما يمر أحدهم بجابنه ، فهو لا يعرف عنترة بن شداد العبسي ، من الأحمق هبنّقة زوج شَنّ ، و كل ما يدور في رأسه ، هو نطح هذا الدخيل على دائرته الشخصية الضيقة ، ويعلم مصارعوا الثيران ، بأن الثور مصاب بعمى الألوان ، فهو لا يرى سوى الأبيض و الأسود ، إلا أن ما يثيره فعلاً ليس القماش الأحمر الذي يحمله المصارع ، و إنما حركة المصارع أمام الثور ، فيتلاعب الإنسان العاقل ، بالبهيمة – الثور – و الثور يستشيط غضباً و يهاجم و يصارع ويناطح حتى الموت .

يختلف الإنسان عن الحيوان في هذا بميزة العقل ، وهذا يساعده على تحسين تواصله مع الأحداث المتنوعة ، فلا يهاجم أو يقاوم إلا وفق معطيات منطقية ، فالناس في نظر العاقل ليسوا سواء ، فمنهم العالم و الجاهل و العظيم والحقير و التقي و الفاجر و الصديق و العدو و القريب و الغريب و قائمة طويلة من التصنيفات النوعية ، كما أن العاقل يفرق ما بين المهاجمة و الاستفسار و المراوغة و الصراحة و الوقاحة و النصيحة و النقد و التسلط و الإدارة و الصلاحية ، إلى آخره من حالات الاتصال ، فهو يفرق ما بين المقصود وغير المقصود ، و المراد لذاته و المراد لغيره و السبب و النتيجة و الدليل و القرينة و الاستنتاج و الحقيقة و الغاية و المآل و الحتمي و غير الحتمي و العام و الخاص و المجمل و المفصل  و نحوه ، كما و أن العالم بالأمور و الأحكام يفرق ما بين الواجب و المحرم و المكروه و المندوب و المباح و الصحيح و الباطل .. بهيمة كالثور و آدمي كالأحمق لا يمكنهما التمييز بين هذا الكم من التنوع في تفسير سلوك واحد ، لكونه خارج منظوتهم الإدراكية .

لذلك عليك أن تتغافل و تتجاوز كل ذلك في الاتصال البشري ، هذا في حال كنت محقاً في تحليلك ، أي أنك تمتلك دليلاً علمياً و منطقياً على تصورك العقلي لهذا السلوك أو ذاك ، كما أن عليك التريث قبل أن تقوم برد فعل ، كي لا يحكم من حولك عليك بالحمق و السفه و الطيش و الجهل و الصفاقة و القحة و الوقاحة و رداءة الأخلاق ، كما و أن عليك أن تراعي العواقب و التأثيرات على ردة فعلك الثائرة دائماً ! ، أما إذا كنت تظن بأنك على صواب دون برهان على صحة اعتقادك ، أو قرائن متعاضدة ، أو كنت عاجزاً عن الإفصاح عنها ، فالصمت حكمة – كما يقال – وقليل فاعله ، صمت سيجعل منك حكيماً في نظر الآخرين ، و إن كنت في قرارة نفسك غير ذلك ، هذا خير لك من أن تجعل لمن يراك ويسمعك ، أن يوقن تمام الإيقان بأنك أحمق و سفيه وجاهل ، وهذه صفات إن التصقت بك ، فقد لا يمكنك التخلص منها و لا من آثارها الاجتماعية أبداً ، إلا بصعوبة بالغة وتضحيات تفوق قدراتك الفردية .

و تذكر بأن الحكمة هي ( فعل ما ينبغي ، كما ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي ) .