الفَنَاء المستمر

Views: 549

الفَنَاء المستمر

فيصل خالد الغريب 

مستشار نظم العقل و الاتصال البشري 

@dr_faisalkhaled

Drfaisalkhaled@Gmail.Com

كل من قرأ الأسطر التالية ، وقف صامتاً لبضع ثوانٍ ، يفكر في شريط حياته التي استعرضها بصورة مختلفة عن ما اعتاده طيلة عمره ، وهذا ما سيحدث لك ، إن أسعفتك مخيلتك وذاكرتك ، على رؤية ما سيعبر أمامك بعد قليل . 

عندما بدأت حياتك ، تم التخلص فعلاً من مكونات خلقك الأساسية ، على المستوى الخلوي ثم على المستوى الجنيني ، و الأمر مستمر في كل لحظة من وجودك ، فأنت تفنى منذ ذلك الحين ، فخلاياك اليوم ليست هي تلك الخلايا التي بدأت معك من خلقك الأول ، أنت تفنى وتتجدد و لكن هذا لن يستمر !

لو نظرت حولك ، فإنك ستلحظ الفناء في محيطك و هو يجتاح كل شيء جديد دون استثناء ، ثيابك و مقتنياتك و ممتلكاتك ، كثير منها لم يَطُل به الأمد ليرافقك حتى هذه اللحظة ، بما في ذلك محيطك المدني و الحضاري ، فإن المنشئات التي فطنت لها مع إطلاتك الأولى على الوجود ، العديد منها فني و اندثر ، و معظم الطرقات و الممرات و الأركان التي عهدتها في صغرك اختفت ، و تلك المعالم التي أبصرتها شامخة في شبابك ، تلاشت كلها أو تكاد .

لا شيء باقٍ من حولك ، جيرانك وزملاؤك و أصداقاؤك و أقاربك و كل من عرفت و من لم تعرف ، يلتهمهم الفناء الآن في هدوء ودون ضجيج ، ليأتي ذلك اليوم الذي قد تبقى فيه وحدك في عالم لا يحمل أي شيء من ذكرياتك ، هذا إن لم يباغتك الفناء قبل ذلك بكثير !

الدول و الأنظمة و السلاطين و القياصرة و الأباطرة ، و المجتمعات البشرية ، و الأفكار و الفلسفات و النظريات و القوانين من حولك ، تخضع لسطوة الفناء ، فكل ما هو بشري و كل ما هو مخلوق ، وكل ما تراه في الوجود ، يواجه مصيراً حتمياً واحداً ، إنه الفناء في نهاية المطاف ، و التاريخ شاهد على ذلك ، و أياً كنت ، ستكون جزءاً من الماضي ، ولا شك ، و إن كان الأمل يحدوك لتتطلع إلى المستقبل دائماً ، فتذكر بأن المستقبل هو في حد ذاته و سيلة نقلك للفناء .

و تذكر بأنه في الوقت الذي كنت تعرف و تألف معظم من في محيطك الاجتماعي ، فإنك قد تضطر يوماً للأنس بهم في المقبرة ، حيث سيكون كل من عرفتهم و ألفتهم تحت الثرى في تلك المساحة المسيجة من الأرض ، و عند التفاتتك لبوابتها خلفك ، ستدرك بأنك لا تنتمي للعالم الذي ينشأ و يفنى خلفها الآن .

الفناء مستمر في إنهاء رحلتك القصيرة ، و العلامات و المؤشرات تطرق حواسك و مداركك التي ضعفت أو ستضعف ، لتؤكد لك بأنك توشك على النهاية ، معلنة قوله تعالى ( ﴿كُلُّ مَن عَلَيها فانٍ  وَيَبقى وَجهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكرامِ﴾ [الرحمن: ٢٦-٢٧] فما هي القرارات الحاسمة التي ستتخذها الآن ؟! وكيف ستبدأ في تطبيقها ، قبل فوات الأوان ؟ .